عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

430

اللباب في علوم الكتاب

وقوله : « إِلَّا ابْتِغاءَ » فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول من أجله ، أي : لأجل ابتغاء وجه اللّه ، والشروط هنا موجودة . والثاني : أنه مصدر في محلّ الحال ، أي : إلّا مبتغين ، وهو في الحالين استثناء مفرّغ ، والمعنى : وما تنفقون نفقة معتدا بقبولها ؛ إلّا ابتغاء وجه [ اللّه ] ، أو يكون المخاطبون بهذا ناسا مخصوصين ، وهم الصحابة ، لأنهم كانوا كذلك ، وإنما احتجنا إلى هذين التأويلين ؛ لأنّ كثيرا ينفق لابتغاء غير وجه اللّه . قال بعض المفسرين « 1 » : هذا جحد لفظه نفي ، ومعناه نفي ، أي : لا تنفقوا إلّا ابتغاء وجه . قوله : « وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ » تأكيد وبيان ؛ كقوله : « وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ » . وقوله : « يُوَفَّ إِلَيْكُمْ » جواب الشرط ، وقد تقدّم أنه يقال : « وفّى » بالتشديد و « وفى » بالتخفيف و « أوفى » رباعيا . وإنما حسن قوله : « إليكم » مع التوفية ؛ لأنها تضمّنت معنى التّأدية ، ومعناه « 2 » يوفّ لكم جزاؤه في الآخرة . وقوله : « وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ » جملة من مبتدأ ، وخبر : في محلّ نصب على الحال من الضمير في « إليكم » ، والعامل فيها « يوفّ » ، وهي تشبه الحال المؤكّدة ؛ لأنّ معناها مفهوم من قوله : « يُوَفَّ إِلَيْكُمْ » ؛ لأنهم إذا وفّوا حقوقهم ، لم يظلموا . ويجوز أن تكون مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ، أخبرهم فيها أنه لا يقع عليهم ظلم ، فيندرج فيه توفية أجورهم ؛ بسب إنفاقهم في طاعة اللّه تعالى ، اندراجا أوّليا . فصل في المراد من الآية في معنى الآية وجوه : الأول : أن معناه : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين لا تقصدون إلّا وجه اللّه تعالى ، وقد علم اللّه هذا من قلوبكم ، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه اللّه تعالى في صلة رحم ، وسدّ خلّة مضطر ، وليس عليكم اهتداؤهم ، حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم . الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبرا ، إلّا أن معناه النهي ، أي : ولا تنفقوا إلّا ابتغاء وجه اللّه وورود الخبر بمعنى الأمر ، والنهي كثير ؛ قال تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [ البقرة : 233 ] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [ البقرة : 228 ] .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 258 . ( 2 ) في ب : ومعنى .